أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
214
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
رعيها . والمعنى أنّ صاحب السنة يقوم على أصحابه كما يقوم الراعي على إبله ، وقد مضى من ذلك جملة صالحة في البقرة . وقوله : فَسِيرُوا جملة معطوفة على ما قبلها . والتسبيب في هذه الألفاظ ظاهر أي : سبب الأمر بالسير لينظروا نظر اعتبار خلوّ من قبلكم من الأمم وطرائقهم . وقال أبو البقاء : « ودخلت الفاء في « فَسِيرُوا » لأنّ المعنى على الشرط أي : إن شككتم فسيروا . قوله : كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ « كَيْفَ » خبر مقدم واجب التقديم ؛ لتضمّنه معنى الاستفهام وهو معلّق ل « انظروا » قبله ، فالجملة في محل نصب بعد إسقاط الخافض إذ الأصل : انظروا في كذا . قوله تعالى : لِلنَّاسِ ؛ يجوز أن يتعلّق بالمصدر قبله ؛ ويجوز أن يتعلّق بمحذوف على أنه وصف له . قوله : « لِلْمُتَّقِينَ » يجوز أن يكون وصفا أيضا ويجوز أن يتعلّق بما قبله ، وهو محتمل لأن يكون من التنازع ، وهو على إعمال الثاني للحذف من الأول . قوله تعالى : وَلا تَهِنُوا : الأصل : « توهنوا » فحذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة في الأصل ، ثم أجريت حروف المضارعة مجراها في ذلك . ويقال : وهن - بالفتح في الماضي - يهن - بالكسر في المضارع . ونقل أنه يقال : وهن ووهن بضم الهاء وكسرها في الماضي . ووهن يستعمل لازما ومتعديا تقول : وهن زيد أي : ضعف ، قال تعالى : « وهن العظم مني » « 1 » ووهنته أي : أضعفته . ومنه الحديث : « وهنتهم حمّى يثرب » « 2 » والمصدر على الوهن والوهن ، بفتح العين وبسكونها . وقال زهير : 1344 - . . . * فأصبح الحبل منها واهنا خلقا « 3 » أي : ضعيفا . قوله : وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ جملة حالية من فاعل « تَهِنُوا » أو « تَحْزَنُوا » والاستئناف فيها غير ظاهر . والأعلون : جمع أعلى والأصل : أعليون فتحرّكت الفاء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا فحذفت لالتقاء الساكنين وبقيت الفتحة لتدلّ عليها ، وإن شئت قلت : استثقلت الضمة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان أيضا الياء والواو ، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين ، وإنما احتجنا إلى ذلك لأنّ واو الجمع لا يكون ما قبلها إلّا مضموما لفظا أو تقديرا ، وهذا مثال التقدير . قوله : « إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » جوابه محذوف أي : فلا تهنوا ولا تحزنوا . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 140 ] إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 140 )
--> ( 1 ) سورة مريم ، آية ( 4 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري 3 / 548 ، كتاب الحج ( 1602 ) ، ومسلم 2 / 923 ، كتاب الحج ( 240 - 1226 ) . ( 3 ) عجز بيت صدره : وأخلفتك ابنة البكريّ ما وعدت * . . . انظر ديوانه ( 34 ) .